الصفحة الرئيسية  أخبار وطنية

أخبار وطنية هل انتهى الاسلام السياسي في تونس؟

نشر في  05 نوفمبر 2014  (10:16)

طفت من جديد مسالة الإسلام السياسي على الساحة الوطنية، حيث أعيد طرحها من قبل عديد الأطراف التي أقرت بتراجعه خاصة في ظل فشله في تونس والأنظمة العربية كمصر بعد سقوط جماعة الإخوان، الى جانب ما أفرزته نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة التي أسفرت عن إحراز حركة نداء تونس المرتبة الأولى مقابل تراجع حركة النهضة وفقدانها ما بلغته في انتخابات 2011.
بخصوص هذا الموضوع، كانت اتصالات لإخبار الجمهورية مع العديد من الشخصيات المهتمة بهذه المسالة وذلك قصد معرفة رؤاهم حول تصورهم لمسالة الإسلام السياسي في تونس بعد الانتخابات، وحول إعادة طرح علاقة الدين بالسياسة اليوم وذلك في ظل انقلاب موازين القوى وبروز حركة نداء تونس على حساب حركة النهضة.

لطفي الشندرلي: لا للإسلام السياسي.. والشعب التونسي لفظ النهضة لتسترها بالدين

حول هذا الطرح صرح الشيخ الزيتوني لطفي الشندرلي أن مسالة الإسلام السياسي في تونس هي عملية اجتهادية من قبل حركة النهضة التي ثبت أن طرحها لهذه المسالة هو طرح فاشل لا يستطيع النجاح داخل المجتمع التونسي لأن الإسلام السياسي الذي تم تقديمه من طرفها احتكر أفكارا ومواقف وبرامج بعيدة عن الإسلام الوسطي المعتدل الزيتوني الذي تعوّدنا عليه.
وفي نفس السياق، أكد الشندرلي أن حركة النهضة ابتدعت هذا المشروع واستغلته قصد تمرير سياستها وأفكارها على المجتمع التونسي المسلم منذ القدم، مشيرا إلى أن سياسة الإسلام الذي يتحدث عنها القرآن والسنة النبوية الشريفة والصحيحة والمعروفة هي سياسة مقدسة، مبنية على الانفتاح ونبذ التطرف والعنف وسياسة أخلاق ومعاملات ترجع بالخير على الفرد والمجتمع في دولة مدنية نتعايش فيها سويا دون الخلط بين الدين والسياسة.
كما أضاف، أن طرح مسالة الدين والسياسة من طرف حركة النهضة كان الهدف منه فرض مشروعها وخياراتها تحت غطاء الدين.
لا مكان للاسلام السياسي وشعب تونس لا يحتاج للأسلمة
من ناحية أخرى، أكد الشيخ الشندرلي أنه لا مكان ولا مستقبل للإسلام السياسي في تونس لأن الشعب التونسي لا يحتاج للأسلمة لان كل الشعب مسلم، والذي أثبت رفضه لهذا الطرح عبر اختياره التصويت بالأغلبية لحركة نداء تونس بعد أن  مل من وعود حكومة الترويكا وبالخصوص حركة النهضة، قائلا :» الشعب التونسي أفاق اليوم من غيبوبته ولفظ النهضة لأنها تسترت بالدين ومن تستر بالدين فهو براء منه».

فريد الباجي: «لا مستقبل للإسلام السياسي في تونس وإخوان تونس نجوا من المخاطر»

ومن جهته صرح الشيخ فريد الباجي مؤسس ورئيس جمعية دار الحديث الزيتونيّة، أن مسالة الإسلام السياسي لن يكون لها مستقبل في تونس إلا إذا وقعت «تونسته» وفق تعبيره، قائلا إن الدين للجميع والوطن للجميع ولا يحق لأي شخص احتكار الدين أو استغلاله لحسابات سياسية ضيقة، معتبرا أن كل من سيحاول إدخال الصراع في المجتمع عبر هذا الطرح سيفشل نظرا لاستحالة تفريق الشعب التونسي لأنه موحّد في وطنيته وفي دينه.
من ناحية أخرى دعا الشيخ جميع الأحزاب السياسية إلى عدم استغلال الدين للوصول إلى السلطة، مشيرا الى أن الدين هو شأن مجتمعي ووطني وليس شأنا حزبيا وسياسيا. كما أضاف بالقول: «الدولة وحدها الكفيلة  بتمثيل سلطة الإشراف على الدين ورعايته».
وفي حديثه عن نتائج الانتخابات التشريعية، أفاد الباجي أن النتائج النهائية لم تبيّن فشل حركة النهضة أو خسارتها في هذا الاستحقاق وفق ما يروّج بل على العكس، لأنها لن تكون موجودة في مرحلة الحكم القادمة التي ستكون حاسمة ومعقدة جدا لمدة 5 سنوات، حيث سيتحمل فيها حزب نداء تونس المسؤولية كاملة، قائلا في هذا الصدد:» إخوان تونس نجوا من المخاطر».
يجب على حركة النهضة «تونسة» نفسها
كما وجه الشيخ الباجي نداء لحركة النهضة يدعوها ضمنه إلى البقاء في صف المعارضة البناءة وعدم قبولها المشاركة في الحكم قبل أن تقوم بـ»تونسة «  نفسها وتغيير أسلوبها السياسي حتى تضمن النجاح قادما.
كما نادى الباجي الحكومة الجديدة القادمة، بضرورة تبني إستراتيجية الأمن الاستباقي قصد ضرب الإرهاب وهو في رحم أمه قبل أن يولد ويتغلغل في البلاد، مؤكدا في المقابل أن العمليات الإرهابية التي تحدث في تونس هي نتاج لعدم وجود قوانين فعالة ناجعة لمقاومة هذه الظاهرة ولمجابهة الأطراف المورطين فيها ونتاج لمحاولة إقحام الدين في السياسة.
الإرهابيون يعتبرون «نداء تونس» الكفرة الأعداء و»النهضة» الإخوة الأعداء
كما دعا في ذات السياق إلى وجوب إعادة العمل بقانون الإرهاب لسنة 2003  والذي وقع الاستغناء عنه، إضافة إلى خلق قوانين جديدة تخول بسجن وتتبع كل من ينتمي إلى تنظيم إرهابي حتى وان لم يباشر الفعل المادي بمعنى أن تتم محاسبة الأفراد على أفكارهم وآرائهم إن كانت إجرامية وإرهابية وتدعو الى العنف وإلا لن تنجح تونس في دحر هذه الظاهرة .
ومن ناحية أخرى، صرح الباجي أن العنف سيتواصل مع الحكومة الجديدة التي ستضم أعضاء نداء تونس الذين لا يدرجون الإسلام السياسي في أفكارهم السياسية وبرامجهم، وذلك لان الخلايا الإرهابية النائمة لن يرضيها صعودهم للسلطة باعتبارهم يمثلون الكفرة الأعداء في مقابل اعتبار أعضاء حزب النهضة الإخوة الأعداء لهم وفق تصريحه.

صلاح الدين الجورشي: الإسلام السياسي سيبقى موجودا لاعتبارات ثقافية واجتماعية

أما الإعلامي والمحلل السياسي صلاح الدين الجورشي، فقد بدأ مداخلته بالتعريف بالإسلام السياسي قائلا: «الإسلام السياسي هو عبارة عن جملة الحركات التي تتخذ من الإسلام مرجعية لها وتنطلق منه لممارسة العمل السياسي»، وبناء على هذا التعريف اعتبر الجورشي أن الإسلام السياسي يتمثل في حركة النهضة التي تعد القوة الثانية في تونس بعد حركة نداء تونس على ضوء النتائج الأخيرة التي أفرزتها الانتخابات التشريعية، والتي أثبتت وجود واستمرارية حركة النهضة التي أصبحت جزء من المشهد السياسي والمجتمعي.
إلى جانب حركة النهضة كتيار إسلامي، أفاد الإعلامي وجود حركات إسلامية أخرى تختلف أو تقترب منها مثل حزب التحرير وجبهة الإصلاح ، إضافة إلى السلفية بمختلف أنواعها، قائلا ان الانتخابات الأخيرة لم تلغ مسالة الإسلام السياسي وإنما حددت له موقعه في الخارطة العامة للبلاد اليوم، بانتقال النهضة من السلطة إلى المعارضة في صورة عدم دخولها في تحالف مع حركة نداء تونس لتصبح بذلك إحدى مكونات الحكومة القادمة.
ومن ناحية أخرى، أكد الجورشي أن الإسلام السياسي وحركاته سيبقى موجودا مادامت هناك اعتبارات ثقافية واجتماعية وسياسية تتطلب وجود هذه الحركات، معتبرا أن الخارطة السياسية في البلاد لم تتغير بشكل جذري وإنما تغيرت فقط على مستوى المواقع رغم انقلاب موازين القوى.

ناجي جلول: حركة النهضة ستتحوّل على شاكلة الديمقراطية المسيحية

ومن جهته صرح القيادي في حزب نداء تونس ناجي جلول أن للإسلام السياسي تيارين في تونس، الأول يعتبر إسلاما اخوانيا تتبناه حركة النهضة المصنفة كأحد فروع تنظيم جماعة الإخوان المسلمين، أما الثاني فتيار الإسلام جهادي ذو المرجعية التكفيرية، قائلا انه في طريقه إلى الزوال والانقراض نظرا لنجاح التجربة الديمقراطية في تونس الذي عكسه مسار الانتخابات التشريعية الأخيرة.
وفي ذات السياق، أفاد جلول أن حركة النهضة في تونس بدأت منذ سنتين في مراجعة عميقة لخطابها السياسي الإسلامي، مشيرا إلى أن نجاح التجربة التونسية فرضت عليها «تونسة» نفسها وتعديل قراراتها وتقليص طابعها الاخواني الذي ستنفض عنها غباره –وفق تعبيره-، حيث ستتحول النهضة إلى حركة تونسية سياسية، مدنية ومحافظة وستتحول على شاكلة الديمقراطية المسيحية في أوروبا  .
كما أضاف القيادي أن البيئة التونسية أثبتت أنه لا مجال لمقارنة التجربة التونسية ببقية التجارب العربية خاصة المصرية، مبينا أنه لا مجال للحديث اليوم أو الدخول في مناقشات تخص مسألة الإسلام السياسي الذي عرفا فشلا كبيرا في  تونس.

صالح الزغيدي: الديمقراطيون بإمكانهم دحر قوى الظلام

ارتفعت أصوات الانتصار على اثر نشر النتائج النهائية للانتخابات التشريعية واعتبر البعض أن حصول حزب نداء تونس على المرتبة الأولى ب85 مقعما وتقدمه على حركة النهضة ب16 مقعدا يمكن اعتباره انتصارا كبيرا للقوى المدنية ( التي يمثلها حزب الباجي قائد السبسي) على القوى الظلامية الممثلة للاسلام السياسي..
لا شك أن مثل هذه القراءات السريعة والبسيطة لا تسمح بالفهم العميق لحقيقة الأحداث و التطورات... لا شك أن التدحرج الذي شهدته حركة النهضة والذي برز ، بالمقارنة مع النتائج التي سجلتها في انتخابات 2011 ، في خسارتها لقرابة الثلث من ناخبيها والخمس من مقاعدها ، ترجم غضب عدد هام من الناخبين والناخبات عن السياسات التي اتبعتها النهضة فيما بين 2011 و 2014عندما تحكمت في مصير البلاد ، وخيبة أمل كبيرة عند عدد حتى من المتعاطفين معها.....
أما التصويت الكاسح لفائدة حزب نداء تونس ، فانه من البديهي أن مئات الالاف من الذين اختاروا التصويت لفائدة حزب الباجي قائد السبسي لم يفعلوا ذلك لقناعتهم ببرنامج هذا الحزب بقدر ما أرادوا التعبير عن غضبهم الكبير تجاه النهضة وسياساتها و أملهم في قدرة حزب نداء تونس على اضعاف النهضة و عدم تمكينها من العودة الى السلطة....
كل هذه التخمينات والتصورات والترقبات ينبغي تنسيبها ، فالأرقام تثبت مع الأسف أن النهضة خرجت من الانتخابات بأخف ألأضرار حيث لم تفقد سوى 20 من مقاعدها وبقيت تمثل قوة سياسية رئيسية في البرلمان وفي البلاد ، خصوصا وأن حزب الباجي قائد السبسي ، بالرغم من النجاح الباهر الذي سجله بحصوله على 85 مقعدا من جملة 217 مقعدا ، فانه لم يحصل على أغلبية تمكته من حكم البلاد ، وهي في حدود 109 من الأصوات ، مما يجعله يبحث عن مخرج لمشكلة تأسيس الحكومة الجديدة ، و هي مهمة تعود اليه ، حسب الدستور، باعتباره الحزب الذي تحصل على أكبر النتائج في الانتخابات التشريعية الأخيرة..بل أن هذا الحزب الذي لم يحصل على المرتبة الأولى الا على أساس أنه سيخلص البلاد من كابوس النهضة ، سيختار منهجا يحمله على تأسيس حكومة تشارك فيها النهضة وبصفة فعالة باعتبارها الحركة الثانية بعدد نوابها ال 69 في البرلمان... ينقلب السحر هكذا على الساحر، وتعطينا الساحة السياسية بعد بضعة أسابيع مشهدا سرياليا يتمثل في عودة النهضة الى السلطة ،ورجوع رجال مثل على العريض و البحيري، وديلو وبن سالم و بوشلاكه وغيرهم الى كراسي الحكومة، وهم الذين وقع طردهم منها شر طرد في أواخر السنة الماضية من طرف مئات الالاف من جماهير اعتصامات الرحيل معاقبة للتنظيم الاخواني على سياساته الساعية الى العودة بتونس الى الوراء ، والتسبب في انهيار الاقتصاد التونسي وتدهور العملة الوطنية واستفحال البطالة والزيادات المشطة في الأسعار، اضافة الى انعدام الأمن العام، وبروز ظاهرة الاغتيالات السياسية وتغذية الارهاب، وتصدير الالاف من الشبان والشابات للقتال في سوريا ضمن العصابات الاسلامية الارهابية....
ان وحدة القوى المؤمنة بالدولة المدنية والديمقراطية في مواجهة مشاريع الاسلام السياسي بتنويعاته الاخوانية والجهادية الارهابية والسلفية والحاملة للتخلف والتخريب والدمار والعودة الى الوراء والقضاء على المكتسيات الحضارية ، هي الوحيدة التي تسمح بدحر قوى الظلام وبناء المستقبل الزاهر لوطننا وأبنائه وبناته... أن كل تواطؤ أو سعي للتوافق مع القوى الظلامية، أنما يسمح لها ويساعدها على زيادة الترسخ في العمق الشعبي ويزيدها مصداقية، فما بالك بالتحالف معها و السعي الى تشريكهم في حكم البلاد..
فهل السيد الباجي قائد السبسي مستعد لإنهاء حياته السياسية الطويلة بتشكيل حكومة بمشاركة حركة النهضة، مما يعني إمضاء صك للتنظيم الاخواني يضمن له مستقبلا طوال العقود القادمة؟

إعداد: منارة تليجاني